أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

337

العقد الفريد

يا أيها الرّجل المرخي عمامته * هذا زمانك إنّي قد مضى زمني أبلغ خليفتنا إن كنت لاقيه * أني لدي الباب كالمصفود في قرن « 1 » وحش المكانة من أهلي ومن ولدي * نائي المحلّة عن داري وعن وطني قال : نعم أبا حزرة ونعمى عين . فلما دخل على عمر قال : يا أمير المؤمنين ، إن الشعراء ببابك ؛ وأقوالهم باقية ؛ وسنانهم مسنونة . قال : يا عون ، مالي وللشعراء ؟ قال : يا أمير المؤمنين ، إن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قد مدح وأعطى ، وفيه أسوة لكل مسلم . قال : ومن مدحه ؟ قال : عباس بن مرداس ؛ فكساه حلّة قطع بها لسانه . قال : وتروي قوله ؟ قلت : نعم : رأيتك يا خير البريّة كلّها * نشرت كتابا جاء بالحقّ معلما ونوّرت بالبرهان أمرا مدمّسا * وأطفأت بالبرهان نارا مضرّما « 2 » فمن مبلغ عنيّ النبيّ محمدا * كلّ امرئ يجزي بما قد تكلما تعالى علوا فوق عرش إلهنا * وكان مكان اللّه أعلى وأعظما قال : صدقت ؛ فمن بالباب منهم ؟ قال : ابن عمك عمر بن أبي ربيعة . قال : لا قرّب اللّه قرابته ، ولا حيّا وجهه ! أليس هو القائل ؟ ألا ليت أنّي يوم حانت منيّتي * شممت الذي ما بين عينيك والفم وليت طهوري كان ريقك كله * وليت حنوطي من مشاشك والدم « 3 » ويا ليت سلّمى في القبور ضجيعتي * هنالك أو في جنة أو جهنّم فليته واللّه تمنى لقاءها في الدنيا ، ويعمل عملا صالحا . واللّه لا دخل عليّ أبدا فمن بالباب غير من ذكرت ؟ قلت : جميل بن معمر العذري . قال : هو الذي يقول : ألا ليتنا نحيا جميعا وإن نمت * يوافي لدى الموتى ضريحي ضريحها

--> ( 1 ) المصفود في قرن : المقيّد بالقيود . ( 2 ) مدمّسا : مظلما ومضرّما : موقدا . ( 3 ) الحنوط : ما يحنّط به الميت والمشاشة : رأس العظم اللين الذي يمكن مضغه .